
الصناعة الأردنية تتحرك عكس التيار.. صادرات بالمليارات ونمو يتجاوز الاقتصاد

– خاص – وسام نصر الله
تتقدم الصناعة الأردنية اليوم بشكل واضح في المشهد الاقتصادي، ولم تعد تقتصر على تلبية احتياجات السوق المحلية، بل أصبحت من القطاعات التي يعتمد عليها الاقتصاد في تحقيق النمو وزيادة الصادرات وتوفير فرص العمل.
ويأتي هذا التحول في وقت يواجه فيه الاقتصاد الأردني ظروفا إقليمية ودولية صعبة، انعكست على حركة التجارة والنقل وسلاسل التوريد. ورغم ذلك، تمكن القطاع الصناعي من المحافظة على نموه، وواصل توسيع حضوره في الأسواق الخارجية.
نمو يتجاوز الاقتصاد
أظهرت البيانات أن القطاع الصناعي نما خلال عام 2025 بنسبة 4.7%، فيما ارتفع معدل نموه خلال الربع الرابع إلى 5.1%، ليسهم بنحو 40% من إجمالي النمو الاقتصادي خلال العام، بحسب بيانات غرفة صناعة الأردن.
كما بلغت مساهمة القطاع الصناعي المباشرة نحو 24.2% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة تعكس الوزن الذي بات يمثله القطاع في الاقتصاد الوطني.
واستمر هذا الأداء خلال بداية العام الحالي، إذ نما الاقتصاد الوطني بنسبة 2.9% خلال الربع الأول من 2026، في حين سجلت الصناعة التحويلية نموا بلغ 5.3%، وقطاع التعدين والمحاجر 4.7%، وإمدادات الكهرباء 4.3%.
وتشير هذه الأرقام إلى أن الصناعة تنمو بوتيرة تفوق معدل نمو الاقتصاد في عدد من الأنشطة، وهو ما يعزز دورها كمصدر رئيسي للنمو.
الصادرات تسجل نموا لافتا
وتظهر أهمية الصناعة بصورة أكبر في أرقام التجارة الخارجية. فقد ارتفعت الصادرات الصناعية خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2026 إلى نحو 3.668 مليار دينار، مقابل 3.392 مليار دينار خلال الفترة نفسها من العام الماضي، وبنمو بلغ 8.2%، وبزيادة تقارب 277 مليون دينار.
وشكلت الصادرات الصناعية نحو 95% من إجمالي الصادرات الوطنية خلال الفترة نفسها، فيما غطت نحو 45% من إجمالي المستوردات، بحسب بيانات غرفة صناعة الأردن.
وسجلت صادرات الصناعات التحويلية نموا بنسبة 7%، وتصدرت الصناعات الكيماوية ومستحضرات التجميل قائمة القطاعات المصدرة، تلتها الصناعات الجلدية والمحيكات، ثم الصناعات الهندسية والكهربائية.
هذه الأرقام تعكس اتساع قاعدة الصناعة الأردنية وقدرتها على الوصول إلى أسواق خارجية تتجاوز الأسواق التقليدية، مع تسجيل نمو في صادرات المملكة إلى عدد من الأسواق، من بينها سويسرا والصين وكينيا وتايلاند.
271 ألف عامل في القطاع الصناعي
ولا تقتصر أهمية الصناعة على الإنتاج والصادرات، فالقطاع يعد من أكبر القطاعات المشغلة في الاقتصاد الأردني.
وبحسب بيانات غرفة صناعة الأردن، يضم القطاع نحو 18 ألف منشأة صناعية ويشغل قرابة 271 ألف عامل وعاملة، بما يعادل نحو 21% من إجمالي القوى العاملة في المملكة ونحو 28% من العاملين في القطاع الخاص.
كما تستحوذ الصناعة على نحو 40% من فرص العمل المستحدثة في القطاع الخاص، وهو ما يجعل نمو القطاع مرتبطا بشكل مباشر بقدرة الاقتصاد على توفير وظائف جديدة، خصوصا في ظل ارتفاع معدلات البطالة.
التحدي.. الحفاظ على النمو
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، فإن استمرار نمو الصناعة يحتاج إلى معالجة عدد من التحديات، وفي مقدمتها كلف الطاقة والإنتاج والتمويل، إلى جانب توفير العمالة الماهرة وتطوير المهارات وتعزيز البحث والتطوير والابتكار.
كما أن توسع الصناعة في الأسواق الخارجية يتطلب الاستثمار بشكل أكبر في التكنولوجيا ورفع الإنتاجية وتحسين جودة المنتجات، خصوصا مع ارتفاع متطلبات الأسواق العالمية.
ومن هنا، فإن أهمية الصناعة الأردنية لا تقاس فقط بحجم إنتاجها، بل بقدرتها على تحقيق ثلاثة أهداف في الوقت نفسه: زيادة النمو، ورفع الصادرات، وتوفير فرص العمل.
ومع استمرار نمو الإنتاج الصناعي والصادرات، تبدو الفرصة متاحة أمام الأردن لتعزيز مكانة الصناعة كأحد المحركات الرئيسية للاقتصاد الوطني. لكن الاستفادة الكاملة من هذا الزخم ستبقى مرتبطة بقدرة القطاع والحكومة على خفض كلف الإنتاج، وتحفيز الاستثمار، وفتح أسواق جديدة، والانتقال تدريجيا نحو صناعات ذات قيمة مضافة أعلى.
وهنا تبرز ملفات الطاقة وكلفة الإنتاج والتمويل والمهارات المتخصصة والبحث والتطوير والابتكار باعتبارها عوامل حاسمة في تحديد قدرة الصناعة الأردنية على الحفاظ على زخمها. وكانت وثائق رؤية التحديث الاقتصادي قد حددت بالفعل ارتفاع كلف الطاقة ونقص المهارات المتخصصة وضعف قدرات البحث والتطوير وصغر السوق المحلية وتعقيد بعض الإجراءات التنظيمية ضمن أبرز تحديات القطاع.
وفي المقابل، تفتح التحولات التكنولوجية فرصاً جديدة أمام الصناعة الأردنية، خصوصاً في مجالات الأتمتة والرقمنة والذكاء الاصطناعي وكفاءة الطاقة. كما يمكن لتوسيع استخدام الطاقة المتجددة وتحسين معايير الإنتاج البيئي أن يعزز قدرة المنتجات الأردنية على النفاذ إلى أسواق ذات متطلبات بيئية وفنية أكثر صرامة.
الصناعة أمام اختبار المرحلة المقبلة
المؤشرات الحالية تمنح الصناعة الأردنية وزناً متزايداً في الاقتصاد، لكن التحدي الحقيقي لم يعد إثبات قدرة القطاع على النمو، وإنما تحويل هذا النمو إلى توسع مستدام في الإنتاجية والاستثمار والصادرات وفرص العمل.
فالارتفاع المسجل في الصادرات الصناعية بنسبة 8.2% خلال خمسة أشهر يمثل مؤشراً إيجابياً، لكنه في الوقت ذاته يرفع سقف التوقعات بشأن قدرة الصناعة على المحافظة على هذا الزخم وتوسيعه.
ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة ستختبر قدرة القطاع والحكومة معاً على معالجة كلف الإنتاج، وتوسيع قاعدة الأسواق، وجذب الاستثمارات الصناعية، وربط التعليم والتدريب باحتياجات المصانع، والانتقال من الصناعات التقليدية إلى صناعات ذات قيمة مضافة أعلى.
وبهذا المعنى، فإن السؤال لم يعد ما إذا كانت الصناعة الأردنية قادرة على لعب دور أكبر في الاقتصاد، فالأرقام الحالية تشير بوضوح إلى تنامي هذا الدور، وإنما هل تستطيع المملكة تحويل هذا الزخم الصناعي إلى قاعدة إنتاجية أكثر عمقاً واستدامة، تجعل الصناعة أحد المحركات طويلة الأجل للنمو الاقتصادي والتشغيل والتصدي



