اقـــتصادمحلي

المدن الصناعية الأردنية.. حكاية تحول يقودها الاستثمار نحو صناعة المستقبل

تقرير و روبرتاح.

دينا ابو سنان عمان تايمز 

المدن الصناعية الأردنية.. حكاية تحول يقودها الاستثمار نحو صناعة المستقبل

من 997 شركة وأكثر من 3 مليارات دينار استثمارات إلى الزرقاء الخضراء.. عدي عبيدات يقود مرحلة جديدة لاستقطاب الصناعة وتعزيز الإنتاج والتشغيل

إعداد: تقرير خاص

لم تعد المدن الصناعية الأردنية مجرد مواقع تحتضن المصانع، أو أراضي يجري تجهيزها لاستقبال المستثمرين، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى إحدى الركائز الأساسية في المشهد الاقتصادي والصناعي الأردني، ومساحة تتقاطع فيها أهداف الاستثمار والإنتاج والتشغيل والتصدير.

وفي الوقت الذي يسعى فيه الأردن إلى تعزيز قدرته على جذب الاستثمارات النوعية، وفتح أسواق جديدة أمام المنتج الوطني، تبرز شركة المدن الصناعية الأردنية كأحد أهم الأذرع التنفيذية لهذا التوجه، من خلال تطوير المدن الصناعية القائمة، وإنشاء مدن جديدة، واستقطاب الاستثمارات، والاستماع إلى المستثمر الصناعي والعمل على إزالة العقبات التي تواجهه.

وفي قلب هذه المرحلة يقف مدير عام شركة المدن الصناعية الأردنية عدي عبيدات، الذي يقود حراكاً يقوم على الترويج للاستثمار، وتطوير الحوافز، وتعزيز الشراكة مع القطاع الصناعي، وتحويل المدن الصناعية من مجرد بنية تحتية إلى منظومات اقتصادية متكاملة.

أرقام تحكي قصة الصناعة

الأرقام التي سجلتها شركة المدن الصناعية الأردنية خلال عام 2026 تعكس حجم الحركة الاستثمارية التي تشهدها المدن المنتشرة في مختلف محافظات المملكة.

فمنذ بداية العام، تمكنت الشركة من استقطاب 61 استثماراً صناعياً جديداً بحجم استثمار يقارب 36 مليون دينار أردني، مع توقعات بتوفير 824 فرصة عمل في مختلف مراحل التشغيل.

وتوزعت هذه الاستثمارات بين 44 استثماراً جديداً و17 استثماراً توسعياً لشركات قائمة، وشملت قطاعات صناعية متعددة، من بينها الصناعات الكيماوية والبلاستيكية والدوائية والنسيجية والهندسية والإنشائية والورق والكرتون.

وتصدرت مدينة عبدالله الثاني الصناعية في سحاب قائمة المدن المستقطبة بـ 17 استثماراً، تلتها مدينة الموقر الصناعية بـ 14 استثماراً، فيما توزعت الاستثمارات الأخرى على مدن إربد والسلط والكرك والطفيلة ومأدبا.

لكن الصورة الأكبر تكشف حجماً أكثر اتساعاً.

فحتى منتصف عام 2026، وصل عدد الشركات الصناعية في مختلف المدن الصناعية الأردنية إلى 997 شركة، بحجم استثمار يتجاوز 3 مليارات دينار أردني، فيما وفرت هذه الشركات ما يقارب 64 ألف فرصة عمل.

هذه الأرقام تجعل المدن الصناعية شريكاً مباشراً في الاقتصاد الوطني، وليس مجرد جهة توفر الأراضي والمباني.

الموقر.. نموذج يثبت نجاح التجربة

في مدينة الموقر الصناعية، تظهر النتائج على الأرض بصورة واضحة.

فقد تمكنت المدينة خلال فترة وجيزة من استقطاب 123 استثماراً صناعياً عاملاً في مختلف المجالات، بحجم استثمار بلغ نحو 716 مليون دينار أردني، وفرت قرابة 5 آلاف فرصة عمل.

وخلال الجولة الميدانية لمجلس إدارة شركة المدن الصناعية، لم تكن الزيارة مجرد لقاء رسمي، بل شملت المصانع والمنشآت الإنتاجية والاطلاع على خطوط الإنتاج والتقنيات الحديثة المستخدمة.

وكانت الرسالة واضحة: الصناعة الأردنية موجودة، وتنتج، وتنافس، لكنها تحتاج إلى بيئة أكثر مرونة وتنافسية حتى تستطيع التوسع والوصول إلى أسواق جديدة.

ومن هنا جاء التواصل المباشر مع المستثمرين والاستماع إلى قضاياهم، سواء المتعلقة بالبنية التحتية أو الإجراءات الإدارية والتنظيمية أو تكاليف التشغيل أو دعم الصادرات.

الإدارة تخرج من المكاتب

أحد أبرز ملامح المرحلة الحالية هو انتقال إدارة المدن الصناعية إلى الميدان.

فمجلس إدارة الشركة نفذ جولات في عدد من المدن الصناعية، شملت سحاب وإربد والكرك والعقبة والطفيلة ومادبا والسلط والزرقاء والموقر، والتقى المستثمرين واستمع إلى احتياجاتهم.

وأكد رئيس مجلس إدارة الشركة عبيد ياسين أن رؤية المرحلة المقبلة تشكلت بالشراكة مع المستثمر الصناعي، من خلال الاستماع إلى أبرز العقبات التي تواجه رحلة المستثمر.

كما أعلن المجلس تأسيس مجلس للشراكة مع مستثمري المدن الصناعية، في خطوة تهدف إلى جعل المستثمر طرفاً في صياغة الحلول والرؤية المستقبلية.

أما رئيس غرفتي صناعة الأردن وعمان المهندس فتحي الجغبير، فأشاد بالنهج التواصلي لمجلس الإدارة والإدارة التنفيذية، مؤكداً أهمية بناء جسور الثقة مع الصناعيين لمعالجة العقبات وتعزيز تنافسية القطاع.

الزرقاء الصناعية.. مشروع يحمل عنوان المستقبل

إذا كانت المدن الصناعية القائمة تقدم نموذجاً للحاضر، فإن مدينة الزرقاء الصناعية تبدو مشروعاً يحمل عنوان المستقبل.

فالمدينة حظيت باهتمام ملكي مباشر، بعد زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني للمشروع في أيار 2026، وتوجيهاته بتسريع تنفيذ مراحل المشروع، والترويج له محلياً ودولياً، ووضع خطط تشغيلية واضحة لخدمة المستثمرين.

وفي ترجمة لهذه التوجيهات، أعلنت شركة المدن الصناعية الأردنية عن حزمة حوافز استثمارية قوية تستهدف جذب المستثمرين إلى المدينة.

وتشمل الحزمة خصومات تصل إلى 70% على أسعار بيع الأراضي، إضافة إلى إعفاء كامل من بدلات الإيجار للسنة الأولى لأول 10 شركات صناعية ضمن القطاعات الصناعية المستهدفة.

هذه الحوافز لا تأتي بمعزل عن استراتيجية أوسع، بل تهدف إلى تسريع دخول الاستثمارات إلى المدينة، وتكوين قاعدة صناعية أولى قادرة على جذب المزيد من المستثمرين.

الزرقاء.. مدينة صناعية خضراء

تتميز مدينة الزرقاء الصناعية بأنها لا تقدم نموذجاً تقليدياً للمدينة الصناعية، بل تتجه نحو نموذج أكثر ارتباطاً بالاستدامة والتكنولوجيا.

فالمدينة تعد أول مدينة صناعية خضراء في الأردن، وتتضمن حلولاً للطاقة المتجددة وأنظمة إنترنت الأشياء بهدف خفض تكاليف استخدام الطاقة والمياه.

كما تتضمن مشاريع للحصاد المائي ومد الغاز الطبيعي للمدينة، بما يعزز كفاءة التشغيل ويخفض التكاليف على المستثمرين.

وتبلغ مساحة المرحلة الأولى 1386 دونماً من أصل 2475 دونماً، بكلفة بلغت 35 مليون دينار أردني، وتضم قطع أراضٍ مطورة ومبانٍ صناعية جاهزة بمساحة تصل إلى 21 ألف متر مربع.

وتشير الدراسات الأولية إلى أن المرحلة الأولى يمكن أن تستقطب نحو 217 استثماراً صناعياً وتوفر قرابة 8500 فرصة عمل.

أما عند اكتمال جميع مراحل المدينة، فتتوقع الشركة وصول عدد الشركات الصناعية إلى نحو 530 شركة، مع توفير ما يقارب 21 ألف فرصة عمل.

من 9 استثمارات إلى قاعدة صناعية كبرى

وبحسب عبيدات، وصلت الاستثمارات في مدينة الزرقاء الصناعية حتى الآن إلى 9 استثمارات صناعية في مجالات كيماوية وهندسية، فيما تتابع الشركة مجموعة أخرى من الاستثمارات المهتمة بالمدينة تمهيداً لتوقيع العقود خلال الفترة المقبلة.

وهنا تبدو المهمة المقبلة واضحة: الانتقال من مرحلة استقطاب المستثمر الأول إلى بناء كتلة صناعية متكاملة.

فالمدينة لا تستهدف أي استثمار عشوائي، وإنما قطاعات يمكن أن تمنحها قيمة مضافة، مثل الصناعات الإلكترونية، والهواتف والأجهزة اللوحية والحواسيب المحمولة، والمعدات الطبية، والصناعات الهندسية والسيارات.

الصين.. نافذة جديدة للاستثمار

وفي ظل الزيارة الملكية إلى الصين واللقاءات مع كبرى الشركات الصناعية الصينية، تفتح المدن الصناعية الأردنية نافذة جديدة أمام الاستثمارات الآسيوية.

وتسعى الشركة إلى طرح فرص إقامة تجمعات صناعية صينية متخصصة في الأردن، خصوصاً في الصناعات الكهربائية والإلكترونية والهندسية والمعدنية وغيرها من القطاعات.

الفكرة لا تقوم فقط على جذب شركة أو مصنع، وإنما على استقطاب تجمعات مترابطة يمكن أن تشكل سلاسل إنتاج وتوريد داخل الأردن.

ويعزز ذلك موقع المملكة الجغرافي، الذي يربط أسواق الخليج والعراق وبلاد الشام وشمال أفريقيا، إلى جانب موقع العقبة كبوابة بحرية للأسواق الخارجية.

وبذلك يمكن للمستثمر الصيني أن يتعامل مع الأردن باعتباره منصة تصنيع وتصدير وليس فقط سوقاً محلياً.

عدي عبيدات.. أرقام وحوافز وترويج

في قراءة لمسار العمل خلال المرحلة الحالية، يظهر أن دور المدير العام عدي عبيدات يرتكز على ثلاثة محاور رئيسية: استقطاب الاستثمار، تطوير البيئة الاستثمارية، والترويج للمدن الصناعية.

فإلى جانب الإعلان عن الاستثمارات الجديدة، يقود عبيدات جهود الترويج لمدينة الزرقاء الصناعية، من خلال الزيارات الميدانية للمستثمرين، والظهور الإعلامي، وعرض الحوافز الاستثمارية.

كما تعمل الشركة على الترويج للمدن الصناعية القائمة بهدف زيادة الاستثمارات والتوسعات فيها.

وتأتي هذه الجهود بالتوازي مع محاولة معالجة التحديات التي يطرحها المستثمرون، بما يعكس تحولاً في مفهوم الإدارة من إدارة الموقع الصناعي إلى إدارة رحلة المستثمر كاملة.

من مطور عقاري إلى مطور منظومات صناعية

ربما يكون التحول الأهم في رؤية شركة المدن الصناعية هو الانتقال من مفهوم “مطور عقاري” إلى “مطور منظومات صناعية”.

فالمدينة الصناعية الحديثة تحتاج إلى أكثر من الأرض والمبنى.

إنها تحتاج إلى الطاقة والمياه والطرق والخدمات واللوجستيات والإجراءات السريعة والحوافز والترويج والأسواق.

وهذه المنظومة هي التي يبحث عنها المستثمر اليوم عندما يقرر اختيار موقع لإقامة مصنع جديد.

ومن هنا يأتي التركيز على المدن الصناعية الخضراء، والطاقة المتجددة، وإنترنت الأشياء، والحصاد المائي، والغاز الطبيعي، إلى جانب المباني الجاهزة والأراضي المطورة.

الصناعة في المحافظات.. تنمية تتوزع على المملكة

ميزة أخرى للمدن الصناعية الأردنية أنها لا تتركز في العاصمة وحدها.

فوجود مدن صناعية في سحاب والموقر وإربد والكرك والطفيلة ومادبا والسلط والعقبة والزرقاء يعني توزيع النشاط الصناعي على محافظات المملكة، وهو ما يساهم في خلق فرص العمل محلياً وتحريك النشاط الاقتصادي خارج مركز العاصمة.

وهذا البعد التنموي يجعل الاستثمار الصناعي أكثر من مجرد مشروع تجاري؛ فهو فرصة لتوفير الوظائف، وتحريك القطاعات المساندة، وزيادة الطلب على الخدمات والنقل واللوجستيات وسلاسل التوريد.

الرهان على التصدير

الهدف النهائي من هذه المنظومة لا يتوقف عند جذب المستثمر.

فالاستثمار الصناعي الناجح يجب أن يتحول إلى إنتاج، والإنتاج يجب أن يجد أسواقاً، والأسواق يجب أن تنعكس على الصادرات والاقتصاد الوطني.

وهنا تمتلك المدن الصناعية فرصة للاستفادة من الموقع الجغرافي للأردن وشبكة اتفاقيات التجارة الحرة، إلى جانب العقبة كبوابة بحرية.

ويمكن لهذا النموذج أن يمنح الأردن فرصة لتقديم نفسه كمنصة صناعية إقليمية، خصوصاً أمام الشركات التي تبحث عن موقع إنتاج قريب من عدة أسواق.

الخاتمة: مدينة صناعية.. واقتصاد أكثر إنتاجاً

المشهد الذي ترسمه شركة المدن الصناعية الأردنية اليوم يتجاوز فكرة إنشاء مناطق صناعية جديدة.

إنه توجه نحو بناء اقتصاد أكثر إنتاجاً وتنافسية، يستند إلى الاستثمار الصناعي، ويوفر فرص العمل، ويدعم الصادرات، ويمنح المحافظات دوراً أكبر في النشاط الاقتصادي.

وبين 997 شركة صناعية، وأكثر من 3 مليارات دينار من الاستثمارات، ونحو 64 ألف فرصة عمل، و61 استثماراً جديداً خلال 2026، وحزمة حوافز تصل إلى 70% في مدينة الزرقاء الصناعية، تبدو الأرقام شاهداً على مرحلة جديدة.

أما الرهان الأكبر فيبقى على قدرة الإدارة التنفيذية، بقيادة عدي عبيدات، على تحويل هذه الخطط والحوافز والتوجيهات إلى استثمارات نوعية مستدامة، وعلى تحويل مدينة الزرقاء من مشروع صناعي كبير إلى مركز إنتاج وتكنولوجيا وتصدير.

فالمدن الصناعية الأردنية لا تراهن فقط على استقطاب مصنع جديد؛ بل تراهن على صناعة منظومة اقتصادية جديدة، يكون عنوانها الاستثمار، ومحركها الصناعة، ونتيجتها فرص العمل والإنتاج والتصدير والتنمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى